الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

82

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على الغرض والقصة على القصة ، وهو مفيد تفصيل ما أجمله ذكر الحروف المقطعة في أول السورة والجمل الثلاث التي بعد تلك الحروف . ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة : قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي [ يونس : 15 ] تكملة للجواب عن قولهم ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [ يونس : 15 ] وهذا الكلام مسوق للتحدي بإعجاز القرآن ، وهي مفيدة للمبالغة في نفي أن يكون مفترى من غير اللّه ، أي منسوبا إلى اللّه كذبا وهو آت من غيره ، فإن قوله : ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى أبلغ من أن يقال : ما هو بمفترى ، لما يدل عليه فعل الكون من الوجود ، أي ما وجد أن يفترى ، أي وجوده مناف لافترائه ، فدلالة ذاته كافية في أنه غير مفترى ، أي لو تأمل المتأمل الفطن تأملا صادقا في سور القرآن لعلم أنه من عند اللّه وأنه لا يجوز أن يكون من وضع البشر ، فتركيب ما كان أن يفترى بمنزلة أن يقال : ما كان ليفترى ، بلام الجحود ، فحذف لام الجحود على طريقة حذف الجار اطرادا مع ( أن ) ، ولما ظهرت ( أن ) هنا حذف لام الجحود وإن كان الغالب أن يذكر لام الجحود وتقدر ( أن ) ولا تذكر ، فلما ذكر فعل ( كان ) الذي شأنه أن يذكر مع لام الجحود استغني بذكره عن ذكر لام الجحود قصدا للإيجاز . وإنما عدل عن الإتيان بلام الجحود بأن يقال : ما كان هذا القرآن ليفترى ، لأن الغالب أن لام الجحود تقع في نفي كون عن فاعل لا عن مفعول بما تدل عليه اللام من معنى الملك . واعلم أن الإخبار ب أَنْ والفعل يساوي الإخبار بالمصدر ، وهو مصدر بمعنى المفعول لأن صلة أَنْ هنا فعل مبني للنائب . والتقدير ما كان هذا القرآن افتراء مفتر ، فآل إلى أن المصدر المنسبك من ( أن ) مصدر بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، وهو أيضا أقوى مبالغة من أن يقال : ما كان مفترى ، فحصلت المبالغة في جهتين : جهة فعل ( كان ) وجهة ( أن ) المصدرية . و ( من ) في قوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ للابتداء المجازي متعلقة ب يُفْتَرى أي أن يفتريه على اللّه مفتر . فقوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ حال من ضمير يُفْتَرى وهي في قوة الوصف الكاشف . والافتراء : الكذب ، وتقدم في قوله : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في سورة العقود [ 103 ] . ولما نفي عن القرآن الافتراء أخبر عنه بأنه تصديق وتفصيل ، فجرت أخباره كلها